محمد بن أحمد الإسكندراني الدمشقي

4

كشف الأسرار النورانية القرآنية

الجالسة جارية فللغلبة ترك الموصوف ، وأقيمت الصفة مقامه فقوله تعالى : وَلَهُ الْجَوارِ [ الرّحمن : الآية 24 ] . أي السفن الجاريات على أن السفينة أيضا فعيلة من السفن ، وهو النحت ، وهي فعيلة بمعنى فاعلة عند أبي دريد أي تسفن الماء أو فعيلة بمعنى مفعولة عند غيره بمعنى منحوتة ، فالجارية والسفينة جاريتان على الفلك ، وفيه لطيفة لفظية : وهي أن اللّه تعالى لما أمر نوحا عليه السّلام باتخاذ السفينة قال : وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا [ هود : الآية 37 ] . ففي أول الأمر قال لها الفلك ؛ لأنها بعد لم تكن جرت ، ثم سماها بعد عملها سفينة كما قال : فَأَنْجَيْناهُ وَأَصْحابَ السَّفِينَةِ [ العنكبوت : الآية 15 ] . وسماها جارية كما قال تعالى : إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ ( 11 ) [ الحاقّة : الآية 11 ] . وقد عرفنا أمر الفلك وجريها . وصارت كالمسماة بها ، فالفلك قبل الكل ثم السفينة ثم الجارية . ( المسألة الثالثة ) ما معنى المنشآت نقول فيه وجهان : ( أحدهما ) : المرفوعات من نشأت السحابة إذا ارتفعت وأنشأه اللّه إذا رفعه وحينئذ ما هي بنفسها مرتفعة في البحر ، وأما مرفوعات الشراع . ( وثانيهما ) : المحدثات الموجودات من أنشأ اللّه المخلوق أي خلقه فإن قيل : الوجه الثاني بعيد لأن قوله : فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ [ الشّورى : الآية 32 ] . متعلق بالمنشآت فكأنه قال : وله الجواري التي خلقت في البحر كالأعلام وذلك غير جيد والدليل على صحة ما ذكرنا أنك تقول الرجل الجريء في الحرب كالأسد فيكون حسنا ولو قلت : الرجل العالم بدل الجريء في الحرب كالأسد لا يكون كذلك ، فنقول : إذا تأملت فيما ذكرنا من كون الجارية صفة أقيمت مقام الموصوف كان الإنشاء بمعنى الخلق لا ينافي قوله : فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ . لأن التقدير حينئذ له السفن الجارية في البحر كالأعلام ، فيكون أكثر بيانا للقدرة كأنه قال : له السفن التي تجري في البحر كالأعلام أي كأنها الجبال والجبال لا تجري إلا بقدرة اللّه تعالى ، فالأعلام جمع علم الذي هو الجبل ، وأما الشراع المرفوع كالعلم الذي هو معروف ، فلا عجب فيه ، وليس العجب فيه كالعجب في جري الجبل